الشيخ محمد النهاوندي

428

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

مبلغهم من العلم ، مع أنّ مقتضى الإيمان الإعراض عن الدّنيا وما فيها ، والسّعي في تحصيل النعم الباقية والرّاحة الدّائمة ، فلا يطلب المؤمن من الدنيا إلّا مقدارا يكون له وسيلة إلى نيل السّعادة الاخرويّة ، ولذا قال تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا وهب لنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وهي كلّ ما فيه السّعادة الدنيويّة ، وهي : روحانيّة وجسمانية داخليّة وخارجية . في أنّ السعادة الدنيوية روحانية وجسمانية أمّا السّعادة الروحانيّة : فكمال القوّة النّظريّة بالعلم ، وكمال القوّة العملية بالأخلاق الجميلة الفاضلة ، فإنّهما زينة المرء في الدّارين ، وأمّا السّعادة الجسمانيّة الداخليّة : وهي السّعادة البدنيّة من الصحّة والجمال . وأمّا السّعادة الخارجيّة فهي : المال والجاه والأقارب والأولاد ، وهذه السّعادات كما أنّها حظوظ في الدنيا [ فهي ] مقدّمات ووسائل لتحصيل حظوظ الآخرة . والظاهر أنّ المراد من الحسنة جميع ما له نفع في الآخرة ، وليس حبّها وطلبها من حبّ الدنيا وطلبها ، بل عين حبّ الآخرة . عن ابن عبّاس : أنّ رجلا دعا ربّه فقال : ربّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النّار . فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « ما أعلم أنّ هذا الرجل سأل شيئا من أمر الدنيا » . فقال بعض الصّحابة : بلى يا رسول اللّه ، [ إنه ] قال : ربّنا آتنا في الدنيا حسنة ! فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « إنّه يقول : آتنا في الدنيا عملا صالحا » « 1 » . وعن الصادق عليه السّلام في رواية : « السّعة في الرّزق [ والمعاش ] وحسن الخلق في الدنيا » « 2 » . وعن أمير المؤمنين عليه السّلام : « [ أنّ الحسنة ] في الدنيا المرأة الصالحة » « 3 » . وقيل : إنّ المراد بالحسنة العلم والعبادة « 4 » . والظاهر أنّ جميع المذكورات أنواعها ، والجامع ما ذكرنا ، وهو جميع ما يكون له نفع في الآخرة ، وما يكون معينا على تحصيلها . ثمّ أنّه لإظهار شدّة الاهتمام بالآخرة ، وأنّها المطلوب النّفسيّ ، خصّ نعمها أوّلا بالذّكر صريحا ، بقوله : وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وهي الثّواب والرّحمة « 5 » . وعن أمير المؤمنين عليه السّلام : « هي الحوراء » « 6 » .

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 5 : 189 . ( 2 ) . مجمع البيان 2 : 530 ، تفسير الصافي 1 : 217 . ( 3 ) . تفسير روح البيان 1 : 319 ، تفسير الصافي 1 : 217 . ( 4 ) . تفسير الصافي 1 : 217 . ( 5 ) . تفسير روح البيان 1 : 319 . ( 6 ) . تفسير روح البيان 1 : 319 ، تفسير الصافي 1 : 217 .